مجد الدين ابن الأثير

407

المختار من مناقب الأخيار

ألقاك ، فهو أحرى أن يفرغ قلبك ويقلّ همّك ، وإيّاك أن تسخط ذلك فيحلّ عليك السّخط وأنت عنه في غفلة لا تشعر به . فقلت للآخر : أوصني . قال : ما أنت « 1 » بمستوص فأوصيك . قلت : نعم ، فعسى اللّه « 2 » أن ينفع بوصيّتك . قال : أما إذا أبيت إلّا الوصيّة فاحفظ عنّي : التمس رضوانه في ترك مناهيه ، فهو أوصل لك إلى الزّلفى « 3 » لديه . قال : فقلت للآخر : أوصني . فبكى واستحرّ سفحا للدّموع ، ثم قال : أي أخي ، لا تبتغ في أمرك « 4 » تدبيرا غير تدبيره فتهلك فيمن هلك وتضلّ فيمن ضلّ « 5 » . * * * وقال أحمد بن محمد الصّوفي : قال لي أستاذي أبو عبد اللّه بن أبي شيبة : كنت ببيت المقدس ، وكنت أحبّ أن أبيت في المسجد ، وما كنت أترك ذلك ، فلمّا كان في بعض الأيّام بصرت في الرّواق بحصر قائمة ، فلمّا أن صلّيت العتمة وراء الإمام أتيت الحصر ، فاختبأت وراءها ، وانصرف الناس والقوّام ، ثم خرجت إلى الصّحن ، فلمّا سمعت غلق الأبواب وقعت عيني على المحراب ، فنظرت إليه وقد انشقّ « 6 » ودخل منه رجل ، وثان ، وثالث إلى أن تمّ سبعة واصطفّ القوم وزال عقلي ، فلم أزل واقفا في موضعي ، شاخصا ، زائل العقل إلى أن انفجر الصّبح ، فخرج القوم من

--> ( 1 ) في ( أ ) : « ما أنا » . ( 2 ) في ( أ ) : « قلت : على ذاك ، عسى اللّه » . ( 3 ) الزّلفى : القربة والمنزلة . القاموس المحيط ( زلف ) . ( 4 ) في ( ب ) : « لا تتبع في الأمور » . ( 5 ) صفة الصفوة 4 / 246 . ( 6 ) في ( ب ) : « فوجدته وقد انشقّ » .